الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
48
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
أدلة عموم الطوفان غير قطعية فإن مستندات الذين أنكروه غير ناهضة فلا تترك ظواهر الأخبار لأجلها . وزاد اللّه في عداد كرامة نوح عليه السلام قوله : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ ، فتلك نعمة خامسة . والترك : حقيقته تخليف شيء والتخلي عنه . وهو هنا مراد به الدوام على وجه المجاز المرسل أو الاستعارة ، لأن شأن النعم في الدنيا أنها متاع زائل بعد ، طال مكثها أو قصر ، فكأنّ زوالها استرجاع من معطيها كما جاء في الحديث : « للّه ما أخذ وله ما أعطى » فشرف اللّه نوحا بأن أبقى نعمه عليه في أمم بعده . وظاهر الْآخِرِينَ أنها باقية في جميع الأمم إلى انقضاء العالم ، وقرينة المجاز تعليق عَلَيْهِ ب تَرَكْنا لأنه يناسب الإبقاء ، يقال : أبقى على كذا ، أي حافظ عليه ليبقى ولا يندثر ، وعلى هذا لا يكون ل تَرَكْنا مفعول ، وبعضهم قدّر له مفعولا يدل عليه المقام ، أي تركنا ثناء عليه ، فيجوز أن يراد بهذا الإبقاء تعميره ألف سنة ، فهو إبقاء أقصى ما يمكن إبقاء الحيّ إليه فوق ما هو متعارف . ويجوز أن يراد بقاء حسن ذكره بين الأمم كما قال إبراهيم : وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ [ الشعراء : 84 ] فكان نوح مذكورا بمحامد الخصال حتى قيل : لا تجهل أمة من أمم الأرض نوحا وفضله وتمجيده وإن اختلفت الأسماء التي يسمونه بها باختلاف لغاتهم . فجاء في « سفر التكوين » الإصحاح التاسع : كان نوح رجلا بارّا كاملا في أجياله وسار نوح مع اللّه . وورد ذكره قبل الإسلام في قول النابغة : فألفيت الأمانة لم تخنها * كذلك كان نوح لا يخون وذكره لبني إسرائيل في معرض الاقتداء به في قوله : ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [ الإسراء : 3 ] . وذكر ابن خلدون : أن بعضهم يزعم أن نوحا هو ( أفريدون ) ملك بلاد الفرس ، وبعضهم يزعم أن نوحا هو ( أوشهنك ) ملك الفرس الذي كان بعد ( كيومرث ) بمائتي سنة وهو يوافق أن نوحا كان بعد آدم وهو كيومرث بمائتي سنة حسب كتب الإسرائيليين . على أن كيومرث يقال : إنه آدم كما تقدم في سورة البقرة . ومتعلق عَلَيْهِ من قوله : وَتَرَكْنا عَلَيْهِ لم يحم أحد من المفسرين حوله فيما